اسماعيل بن محمد القونوي
478
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( واللام فيها للجنس ) المراد به لام الاستغراق أي جميع ما يسوغ ويحسن أن يفعله المكلف بالنظر إلى حاله كالغنى والفقر والصحة والمرض والحضر والسفر والحر والعبد والذكر والأنثى وغير ذلك مثلا فيفعل الغني جميع ما يجب عليه كالزكاة والحج مع الصلاة والصوم والفقير يفعل الصلاة والصوم وقس عليه ما عداهما من المريض والصحيح والحر والعبد قال المص في سورة آل عمران في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ [ آل عمران : 102 ] حق تقوى وما يجب منها وهو استفراغ الوسع في القيام بالمواجب والاجتناب عن المحارم كقوله تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [ التغابن : 16 ] الآية أشار إلى أن لكل مكلف حق تقوى يغاير لمن عداه وبهذا يندفع كثير من الاشكال منها أن المراد بالصالحات ليس جنس الجمع مطلقا وإلا لكفى الأقل وهو ثلاثة من الأعمال أو الاثنان ولا الجنس كله لامتناع أن يؤتى به أحد وإن قصد التوزيع عاد المحذور وهو أن يكفي من كل ثلاثة أعمال أو اثنان بل أقل بناء على انقسام الآحاد على الآحاد وجه الاندفاع هو أنا نحتار أن المراد الجنس كله لكن لا بالنسبة إلى كل فرد فرد بل إلى كل مكلف بالنظر إلى حاله والقرينة على هذه الإرادة قوله تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [ التغابن : 16 ] الآية وما ثبت في الشرع لا حرج في الدين فيجب على المكلف جميع ما يجب عليه بالنظر إلى حالة اليقين هذا في الوجوب الشامل للفرض وأما المندوب فلا حرج فيه والغني والفقير والأمراء والعلماء سواء فيه فعلم أن الاستغراق المشار إليه بالجنس عرفي لا حقيقي نحو جمع الأمير الصاغة والقول بأن إرادة البعض متعين فيكون للعهد الذهني ضعيف لأنه إن أراد بالنسبة إلى كل فرد بالنسبة إلى حاله فلا يخفى فساده إذ الجموع بالنظر إلى حاله معتبر البتة وإن أراد بالنسبة إلى كل مكلف بدون تقييد بالنظر إلى حاله فذلك البعض متفاوت في المكلفين فيؤول إلى الاستغراق العرفي إذ لا أحد يجب عليه بعض الأحكام بدون ملاحظة حاله فإذا لوحظ حاله يكون ذلك البعض كلا بالنظر إليه على أنه يجوز أن يوجد واحد من المكلفين يجب عليه كل الأحكام بأسرها فلا يتناول العهد الذهني له والمؤمن الذي لم يعمل أصلا أو عمل عملا واحدا أو آمن ومات قبل أن يعمل أو بلغ ومات قبل أن يعمل فمعرفة كونه مبشرا من موضع آخر والفرق بين المفرد المحلى بلام الاستغراق والجمع المحلى بلامه واستغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع والكلام عليه مذكور في المطول مفصلا وليس هنا محل تفصيله . الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ [ البقرة : 285 ] أن كتابه أكثر من كتبه ومن فوائد الفاضل أكمل الدين أن ثمة اعتبار آخر وهو أن افراد المفرد المعرف بالنسبة إلى الآحاد الموهومة والمحققة أكثر من افراد الجمع بالضرورة لأن أي جماعة توهم فآحاد المفرد أكثر منها وأما بالنسبة إلى المحققة فقد وقد فثبت أنها أكثر في الجملة وهذا كاف في ثبوت كون استغراق المفرد أشمل وللأصوليين في جانب القلة مناقشة حيث يقولون إنه يبطل الجمعية ويبقى الجنس ويتعلق الحكم به قل أو كثر حتى إذا حلف لا يتزوج النساء حنث بتزوج واحدة وعليه قوله تعالى : لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ [ الأحزاب : 52 ] .